|
سوريا: قصة وطن مختطَف
1 - كيف تم اختطاف الوطن السوري؟
رشاد سروجي
سوريا وطن مختطف، وشعبها رهينة في أيدي المختطفين.
هذه حقيقة مؤلمة، وعلى ضوئها يمكن تفسير المآسي التي حلّت، وما زالت
تحلّ، بسوريا وطناً وشعباً، ثقافة وسياسة ومجتمعاً واقتصاداً، والمؤلم
أن شعب سوريا الحيوي حقاً، والأبي حقاً، والمحب للحضارة حقاً، لم ينعم
في العصر الحديث بالحرية الحقيقية وبالاستقلال الحقيقي سوى حوالي عقد
من الزمن، فما أن تخلّص من بين أنياب الاحتلال العثماني (هناك من يسوّق
له الآن، ويرفع رايته في فضاء سوريا) حتى حتى وقع في قبضة الاحتلال
الفرنسي، وما أن تحرر من الاستعمار الفرنسي حتى نبتت فيه ذهنيات
الاختطاف في شكل انقلابات عسكرية متتالية، لكن لحسن الحظ أن صانعي تلك
الانقلابات كانوا في الغالب عسكريين لا ايديولوجيين، لذلك كانوا يسقطون
بسرعة الواحد تلو الآخر، وكان الضرر مع كل حركة اختطافية (انقلابية)
محدوداً، ويمكن استدراكه.
وحلّت الطامة الكبرى بالوطن الجميل
سوريا، حينما أصبح الاختطاف لعبة ايديولوجية، وحينما صار المختطفون من
خرّيجي المدارس الايديولوجية الشمولية، وكانوا ينتمون إلى أربع مدارس
متصارعة: الإخوان المسلمون، والشيوعيون، والقوميون العرب، والقوميون
السوريون. واستغلّ القوميون العرب فكرة (العروبة) فروّجوا لها،
واتخذوها مظلة لأول عملية اختطاف أيديولوجي الطابع في صيغة مسرحية
(الوحدة) بين مصر وسوريا سنة 1958، حقاً، إن هذه المسرحية كانت حلقة من
حلقات اختطاف سوريا وارتهان شعبها، وبادر التيار القومي العروبي،
بعثيين وغير بعثيين، إلى اختطاف الوطن السوري بأكمله، وتطويبه باسم
العرب فقط، وتهميش بقية مكوّنات الشعب السوري من الآراميين والكرد
والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان والجركس، واحتكار السلطة
والثقافة والثروة لمصلحة المكوّن العربي فقط، وترك الفتات للسوريين
الآخرين، اللهم إلا من اختار منهم الذيلية نهجاً، والعمالة مسلكاً،
ووضع نفسه في خدمة مخطط الاختطاف، وصار بلاء على الوطن ومستقبله.
وكان المختطفون حينذاك خليطاَ قومياً عروبياً شتّى أكثرهم الناصريون
والبعثيون، جمعتهم المصلحة الواحدة، ثم ما لبثوا أن انقسموا إلى شيع
متناحرة، مثلما تتفق عصابة من اللصوص على تنفيذ عملية لصوصية ضخمة، ثم
يتصارعون فيما بينهم، وكل واحد منهم أو فريق يحرص على الاستئثار
بالكعكة كلها وحده، وهكذا توالدت عصابات المختطفين، وبموازاة ذلك
توالدت الصراعات على الكعكة اللذيذة (سوريا)، وكانت تلك الصراعات وراء
إسقاط الوحدة سنة 1961، وقيام حكومة الانفصال، ثم قفز الناصريون
والبعثيون إلى السلطة سنة 1963، ثم أزاح البعثيون منافسيهم الناصريين
جانباً، وجرى تطويب الوطن كله باسم (سوريا البعث)، وارتهان الشعب كله
عرباً وغير عرب لشعار (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)، ولتذهب
المكوّنات غير العربية جميعها إلى الجحيم. لكن ذهنية العصابة
واللصوصية والاختطاف والارتهان لا تعرف الاعتدال، إنها مغرمة على
الدوام بـ (السلبطة) على كل شيء، وخطف كل شيء، وزحزحة المنافسين
القائمين والمحتملين إلى الهامش، وكان من الطبيعي أن تتوالد عمليات
الاختطاف والسلبطة واحدة تلو أخرى في الوطن السوري، وأن يتصارع
المختطفون، وكلٌّ منهم يغنّي على ليلاه، ويصر على توجيه سفينة الوطن
إلى مرفئه الخاص، وتفريغ الحمولة في مستودعاته، وثبت أن حافظ الأسد كان
أشطرهم في هذا المجال، وكان أمهرهم على الإطلاق في فن الاختطاف
والارتهان، وسرعان ما تطوّب الوطن السوري كله باسم (الأسد) بدءاً من
سنة 1970، وصار اسمه (سوريا الأسد)، وتعمّمت مظاهر (تمليك) وطن بأكمله
لشخص بمفرده على امتداد سوريا، ونبتت تماثيل (القائد إلى الأبد) في كل
مدينة وبلدة، ولا أدري لماذا حُرمت آلاف القرى السورية من تلك النعمة
البعثية المباركة؟
وصحيح أن السوريين أهل فطنة، وليس من السهل اللعب بهم، وصحيح
أيضاً أنهم أهل إباء وشمم، ولا يخلون من بعض الشراسة والشكاسة، وكان
فيهم الكثيرون من (أبو صيّاح) و(أبو حمدو) و(أبو عبدو) و(أبو هَدله)
و(أخو شَمّا)، لكن عرف (القائد إلى الأبد) كيف يدجّنهم، ويضرب على
مناخير البعض، ويلوّح للبعض بالمناصب، فيُسيلَ لعابهم، ويضرب بعضهم
ببعض، ويجعلهم شللاً تتسابق إلى كسب رضى (القائد)، ويسوقهم إلى حظيرة
(البيعة) جماعات وفرادى، ويُخَوْزقهم جميعاً بشعارات براقة هائلة،
أولها (تحرير فلسطين)، وثانيها (تحرير الجولان) بعد أن سيق الجولان
هدية لإسرائيل في ليلة ظلماء، وثالثها- وهو الأشمل ويمكن أن يستغرق
قروناً- (تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل)، هذا عدا الثالوث
المقدس الأساسي (وحدة حرية اشتراكية).
وفي قبضة هذا الاختطاف الكبير، وتحت عباءة هذه الشعارات الكبرى،
مُسخ كل شيء في الوطن السوري، فأصبحت الدولة والمجتمع- بحسب الدستور-
مُلكاً لحزب البعث وحده، وصار الحكم-عينك عينك وبوقاحة لا مثيل لها-
مَلكياً وراثياً بعد أن كان جمهورياً، فحلّ الأسد الصغير محلّ الأسد
الكبير بسلاسة ما بعدها سلاسة، وأصبحت السلطة والثروة والثقافة حكراً
على (القائد) وأزلامه، وأصبح الشعب السوري بأجمعه رهينة في قبضة عصابة
الاختطاف الحاكمة، يسومونه في الداخل أبشع ألوان الابتزاز والاستخفاف
والإذلال، ويتاجرون به في بورصات السياسة الإقليمية والعالمية على قدم
وساق.
وهاهم الشرفاء والشجعان الغيارى من السوريين قد ثاروا.
وهاهم يمزّقون صفحات تاريخ الاختطاف، ويكتبون بدمائهم تاريخاً سورياً
ناصعاً.
ومتى كانت إرادة الشعوب الحرة تنهزم أمام مشاريع عصابات الاختطاف؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوريا: قصة وطن مختطَف
2 - الجمهورية السورية أم الجمهورية العربية السورية؟
منذ انعقاد مؤتمر المعارضة السورية الأخير في استانبول، يدور الجدل حول
الاسم الرسمي لسوريا، هل هو الجمهورية السورية، أم الجمهورية العربية
السورية؟ وكان الكرد المشاركون في المؤتمر وراء إثارة هذه المسألة،
وطالبوا إعادة اعتماد اسم سوريا الرسمي الأصلي (الجمهورية السورية)،
بدل الاسم المفروض (الجمهورية العربية السورية). وإذا كان العروبيون
الإسلاميون هم الذين وقفوا ضد المطلب الكردي، وأصروا على تطويب الوطن
السوري بأجمعه للعرب وحدهم، فلا عجب في ذلك، فهم في الأصل ينفّذون
مشروعاً قومياً عروبياً في عباءة إسلامية، وقد أكّد منظّروهم أن
العروبة والإسلام وجهان لعملة واحدة، لكن الغريب أن أحد المعارضين
السوريين من غير الإسلاميين، تذمر ضمناً من المطلب الكردي، وقال: ليس
الآن وقت هذا الموضوع.
والحقيقة أن الكرد الذي أثاروا هذا الموضوع في المؤتمر قالوا ما ينبغي
قوله، بل لو لم يقفوا هذا الموقف لكانوا مقصرين، ولعل المعارضين
السوريين العرب والمستعربين ظنوا أن هذه هي المرة الأولى التي يبدي فيه
الكرد رأيهم في الاسم الرسمي للدولة السورية، في حين أنه ما من كردي
واع وغيور على هويته القومية إلا ويلقي- منذ خمسة عقود- نظرة غضب على
كلمة (العربية) التي أُقحمت في اسم (الجمهورية السورية)، ويستنكر هذا
الإقحام، ويعتبره تزويراً للحقيقة، واعتداء على المكوّنات القومية غير
العربية في الوطن السوري، ومؤكد أن المواطنين السوريين السريان
والآشوريين والآراميين والأرمن والتركمان والجركس، لا يقلّون عن الكرد
غضباً على هذا التزوير والاعتداء. وللتوضيح نذكر الحقائق
التاريخية الآتية:
قبل الميلاد بحوالي 3000 سنة كان سكان سوريا من جنس البحر الأبيض
المتوسط، إنه لم يكن سامياً ولا آرياً، ولم يكن اسم (سوريا) حينذاك
موجوداً، ثم تتالت الهجرات والغزوات على سوريا، فدخلها الساميون من
الجنوب الشرقي، ومنهم الكنعانيون والعموريون وربما الآراميون
والفينيقيون والعبرانيون أيضاً، ودخلها الآريون من الشمال الشرقي ومن
الشمال، وكان منهم الهكسوس والحوريون وأقرباؤهم الميتانيون، ومرة أخرى
لم يكن اسم (سوريا) حينذاك موجوداً، وإنما كان كل شعب يطلق على البلاد
أو على مناطق منها، اسماً معيّناً، فسمّاه البابليون (بلاد خاتي)،
وسمّاها الفرس (عبر نهرا) أي عبر النهر، وأطلق المصريون على نصفها
الشمالي، حيث كان يسكن الميتانيون، اسم (نهارِين). وأول مرة
ظهر فيه اسم (سوريا) كان في المصادر اليونانية، على يدي المؤرخ
اليوناني هيرودوت (توفي حوالي 425 قبل الميلاد)، وكان يقصد بهذا الاسم
المنطقة الواقعة بين الفرات شرقاً وساحل شرقي البحر الأبيض المتوسط
غرباً، وهو اسم مأخوذ من لفظة (آشور)، وكان يطلق على مناطق شمالي سوريا
الخاضعة للدولة الآشورية، ثم أطلقه اليونان على جميع سوريا، وورث
الرومان عن اليونان الاسم نفسه، وكان اسم (سوريا) يُطلَق أحياناً على
المنطقة الممتدة من كيليكيا إلى سيناء، وكان يقتصر أحياناً أخرى على
مناطق سوريا الحالية. أما العرب فكانوا يطلقون على سوريا اسم (الشام)،
لأنها تقع في شمال بلاد العرب، ولعل الأصل هو (الشؤم) باعتبار أن العرب
كانوا يتشاءمون من جهة الشمال، وبقي أثر ذلك في القرآن (وَأَصْحَابُ
الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ . فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ) (سورة
الواقعة، الآية 41 - 42). وطوال تلك العهود كان سكان سوريا
الأصليين يتألفون من الآراميين في الوسط والجنوب، ومن الكرد والآشوريين
والسريان في الشمال، ومن اليونان والرومان الذين استوطنوا في مراكز
المدن خاصة. ثم استقر التركمان وبعدهم الأرمن في سوريا، في حين كان
وجود العرب يقتصر على البادية وبعض المناطق الداخلية المتاخمة لها،
وعلى بعض المخيمات التي كان البدو يقيمونها في ضواحي المدن، وما كانت
سوريا عربية قط. وحينما انطلقت الغزوات العربية الإسلامية في
القرن السابع الهجري، صارت سوريا جزءاً من دولة الخلافة، وتعرضت لحملة
تعريب ضخمة، تحت عباءة الإسلام، واستعرب كثير من سكانها، ومع ذلك بقي
الاسم الغالب عليها هو (الشام)، وكان المقاتلون العرب فيها يسمّون (جند
الشام)، وظلّ الأمر كذلك طوال 1300 سنة، وكان المحتلون العثمانيون
يسمّونها (الشام) أيضاً، وقسّموها إلى ولايات، ولما أطاح السوريون
بالاحتلال العثماني، وأسسوا دولتهم الجديدة أطلقوا عليها الاسم
التاريخي العريق (سوريا)، ثم لما تحرروا من نير الاستعمار الفرنسي،
اتفق قادتها على أن يكون اسم دولتهم (الجمهورية السورية)، ولم
يُقحموا(العربية) في الاسم، إدراكاً منهم بأن الوطن السوري ليس ملكاً
للعرب فقط، وإنما هو ملك لجميع سكانها الأصليين غير العرب.
ولم يحصل إقحام لفظ (العربية) في اسم الدولة السورية إلا في عهد
الاختطاف القومي العروبي لهذا الوطن العريق والجميل، وكان هذا الإقحام
أحد أشكال اختطاف سوريا من شعبها، وتطويبها باسم المكوّن العربي
والمستعرب فقط، تمهيداً لفرض مشروع التعريب على بقية القوميات السورية،
وحملها على الانسلاخ من هوياتها التاريخية العريقة، وأصبح مفروضاً على
السرياني والتركماني والأرمني والآشوري والكردي والجركسي أن يحمل بطاقة
هوية مكتوب فيها (عربي سوري)، أي أنه (عربي) رغم أنفه، في حين كان
يُكتب في بطاقة الهوية- قبل عهد الاختطاف- كلمة (سوري) فقط. فأين هو
الخطأ في المطلب الكردي أيها السادة المعارضون؟ هل الخطأ هو مطالبتهم
بالكف عن تزوير الحقائق ومسخ هويات السوريين غير العرب؟ وإذا كنتم لا
تطيقون أن يكون اسم الدولة السورية (الجمهورية السورية) فما الفرق إذن
بينكم وبين البعثيين الذين تعلنون الثورة عليهم؟ وكيف ستكون سوريا
ديمقراطية تعددية حسبما تعلنون؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوريا: قصة وطن مختطَف
3 - الكرد السوريون .. بين حقائق التاريخ ومشاريع الفاشيين
ما تقوله حقائق التاريخ بشأن الكرد في سوريا شيء.
وما روّجت له الأنظمة العنصرية- وفي مقدمتها النظام البعثي- شيء آخر.
تقول حقائق التاريخ إن الكرد شعب عريق، لهم قوميتهم وثقافتهم
ولغتهم الخاصة، يرجع وجودهم في الشرق الأوسط إلى ما قبل الميلاد بما لا
يقل عن ألفي سنة، ولهم وطنهم المسمّى كردستان، وتقول حقائق التاريخ
أيضاً إن صنّاع اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916 قسّموا كردستان بين إيران
وتركيا والعراق وسوريا، وجرّدوا الكرد من حقهم في وطن واحد مستقل،
وجعلوهم (أقلّيات) في البلدان المذكورة، ووضعوهم تحت رحمة أنظمة قومية
فارسية وتركية وعربية ذات توجّهات عنصرية، ولا تؤمن بأية قيم
ديمقراطية.
وتقول حقائق التاريخ أيضاً إن الكرد السوريين يقيمون على ترابهم
القومي، وهم لم يغزوا أحداً، ولم يحتلوا ديار أحد، وقاموا – وما زالوا-
يقومون بكل واجباتهم الوطنية السورية دون أي تقصير، إن أول رصاصة
أُطلقت ضد الاحتلال الفرنسي في سوريا أطلقها الكردي السوري مُحُو إيبو
شاشو في منطقة عفرين الكردية، في شمال غربي سوريا، وإن قائد الثورة في
الشمال السوري هو الكردي إبراهيم هنانو، وبموازاة ذلك أشعل الكرد في
عفرين ثورة ضد الفرنسيين تُعرَف باسم (ثورة المريدين)، وأشعل الكرد في
الجزيرة الثورة، وخاضوا عدداً من المعارك ضد القوات الفرنسية، وشارك
الكرد في دمشق بقوة في ثورات دمشق، وقاتل الجنود الكرد في الجيش السوري
بشجاعة في جميع المعارك التي دارت بين سوريا وإسرائيل، ولم ينجر كردي
يوماً ما إلى مستنقع العمالة والخيانة.
وتقول الأنظمة العنصرية في سوريا- وفي مقدمتها النظام البعثي-
منذ أكثر من نصف قرن، شيئاً مختلفاً تماماً، إنها قالت: الكرد دخلاء
على سوريا، ومهاجرون، ومتآمرون، وعملاء، وانفصاليون يريدون اقتطاع جزء
من التراب السوري وإلحاقه بدولة أخرى، وانطلاقاً من هذه الرؤية مارست
الأنظمة العنصرية أبشع أنواع القهر والاضطهاد ضد الشعب الكردي في
سوريا، وطبّقت في حقهم أسوأ مشاريع الصهر القومي، وعكَس العنصريون- في
سياساتهم إزاء الكرد- القاعدة الحقوقية التي تقول (الأصل البراءة)،
فصارت (الأصل الاتهام)، وأصبح كل كردي متهماً وعليه إثبات البراءة.
والمؤلم أن معظم العرب والمستعربين السوريين صمتوا صمت القبور
على هذا الظلم الذي انصب على رؤوس الكرد طوال نصف قرن، منساقين خلف
الشعارات العروبية التي رفعتها الأنظمة العنصرية، وكان صمتهم هذا خير
عون لتكريس السياسات الشوفينية ضد الكرد، ويكفينا دليلاً على ذلك موقف
العرب والمستعربين السوريين من انتفاضة الكرد ضد النظام البعثي سنة
2004، فحينذاك من هبّ إلى تأييد الكرد؟ بل من لم يرمهم حينذاك بمختلف
الاتهامات الباطلة؟ وقد لخّص سياسي كردي الموقف بقوله: (البدو حاربونا،
والحضر خوّنونا)، وفي ظل ذلك الصمت المريب مارس النظام البعثي أبشع
سياسات القهر وأكثرها نذالة ضد الجماهير الكردية، وقامت بإصدار
المراسيم والقوانين التي تحاربهم في لقمة عيشهم، وتمهّد لإبادتهم
ثقافياً واقتصادياً وسياسياً. إن نسبة الكرد في سوريا لا
يقلون بأي حال من الأحوال عن 15% آخذين في الاعتبار أن الوجود الكردي
في سوريا لا يقتصر على محافظة الحسكة، وعلى منطقة كوبانيه (عين العرب)،
وعلى منطقة عفرين، وإنما لهم وجود في مناطق جرابلس ومنبج وإعزاز،
والسفيرة، ولهم وجود قديم في مناطق القُصَير وفي جبال اللاذقية، وفي
مدينة وريف حماه، وفي مدينة وريف حمص، وفي دمشق وريف دمشق، وفي الجولان
وريف درعا، ومعظم هؤلاء استعربوا، ولو أجري إحصاء دقيق ومحايد، فلن
يكون عدد الكرد في سوريا أقلّ من 3 ملايين نسمة، والآن تعالوا نضع بعض
النقاط على بعض الحروف:
كم نسبة الكرد في مراتب الجيش السوري العليا (نقيب فما فوق)؟
كم نسبة الكرد في السلك الدبلوماسي السوري (وزارة الخارجية، السفارات)؟
كم نسبة الكرد في الوزارات والمؤسسات السورية السيادية؟
كم نسبة الكرد في البعثات الدراسية في الجامعات الخارجية؟
كم نسبة الكرد من الأساتذة في المعاهد والجامعات السورية؟
كم نسبة الكرد من كبار الصناعيين والتجار في الاقتصاد السوري؟
كم نسبة الكتب ذات الصلة بالكرد التي أصدرتها وزارة الثقافة السورية؟
إن نسب الكرد معدومة تماماً في بعض المجالات، وقليلة جداً في المجالات
الأخرى.
وبالمقابل تعالوا نتساءل:
كم نسبة الكرد من الرعاة والفلاحين؟
وكم نسبة الكرد من العمال وصغار الكسبة؟
وكم نسبة الكرد من ماسحي الأحذية، وكناسي الشوارع، وعمال البلديات؟
وكم نسبة الكرد من العاملين بأبخس الأجور في المطاعم والمقاهي؟
وكم نسبة الشباب والشابات الكرد العاطلين عن العمل أصلاً؟
كم نسبة الكرد من الفقراء والعاجزين والمرضى والمعاقين؟
إنها نسب عالية بكل تأكيد.
أما الحديث عن وجود التعليم بالكردية في المدارس والمعاهد
والجامعات، وعن عدد الصحف التي تصدر بالكردية، وعن الإذاعة الكردية،
وعن الفضائية الكردية، وعن وجود مطبوعات بالكردية في المراكز الثقافية،
فهو كالحديث عن وجود المستحيلات الثلاثة (الغول، والعنقاء، والخِل
الوفي)، لأن الفيتو القومي العروبي يعتبر كل هذه الحقوق من المحرَّمات،
ولا يجوز للكردي الحديث عنها، بل إن حديث الكردي عنها يعني- حسب
القوانين السورية- أنه يحكم على نفسه بالاعتقال والإذلال والتعذيب
والموت.
تلك هي قصة الكرد السوريين التراجيدية مع الأنظمة الشوفينية السورية،
وخاصة النظام البعثي، إنها قصة طويلة من الإفقار والتهميش والقهر
والصهر، فهل من العجب أن يكون الكرد السوريون في مقدمة الثائرين على
النظام البعثي الفاشي؟ أليس من حقهم ومن واجبهم أن يكونوا أول من يناضل
لتحرير الوطن السوري المختطف من قِبل العنصريين؟ وفي الوقت نفسه أليس
غريباً أن يطلب بعض المعارضين من الكرد الصمت على كل هذا القهر القومي؟
أليس غريباً أن يبادر بعضهم إلى تهميش الكرد في مؤتمرات المعارضة،
تمهيداً لتهميشهم مستقبلاً في ظل النظام المرجو أن يكون ديمقراطياً
تعددياً؟ أليس من حق الكرد السوريين أن يرتابوا في كل من يمزج السم
بالدسم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوريا: قصة وطن مختطَف
4 - أيها الكرد، حذار أن يستكردكم النظام البعثي!
أيها الكرد السوريون، أعلم جيداً أن قصتكم مع النظام البعثي السوري قصة
طويلة ومؤلمة، وبما أن مشروع اختطاف الوطن السوري بلغ القمة في عهد
النظام البعثي، وانفلتت الروح الفاشية، في هذا العهد، من كل عقال،
وصارت متوحّشة بدرجات مخيفة، كان من الطبيعي أن تكونوا أول ضحايا هذا
العهد، وأكثر السوريين عرضة للقهر والاضطهاد والإقصاء والتهميش، لقد
نفّذ بإخلاص منقطع النظير مشروع الصهر العنصري الذي وضعه ضابط الأمن
الشوفيني محمد طلب هلال سنة 1963، فطبّق مشروع الحزام العربي في
المناطق الكردية بالجزيرة، وزرع المستوطنات العربية بين القرى الكردية،
وقام بحملات تعريب أسماء القرى والبلدات الكردية، وزجّ بالكرد ساسة
ومثقفين وفنانين في السجون والمعتقلات، وصبّ عليهم مختلف ألوان الإذلال
والتعذيب. ولم يكتف النظام البعثي السوري بكل ما سبق، وإنما
استكمل مشروعه الشوفيني بوسائل أخرى غير مباشرة وغير مرية، إنه عمل بكل
وسيلة لخلخلة المجتمع الكردي، وتدمير قيمه، فحرم المناطق الكردية من
المشاريع الصناعية المنتجة، ونشر الفقر والتخلف في المجتمع الكردي،
الأمر الذي دفع بكثير من الكرد إلى هجرة ديارهم، والانكباب على ضواحي
المدن المدن السورية (حلب، دمشق، إلخ)، والرضى بالأعمال الوضيعة،
للاحتفاظ بما يساعدهم على البقاء فقط.
وكان اقتلاع الكرد من بيئاتهم الأصلية، والقذف بهم في متاهات
التشرد، أهم كارثة تعرض لها المجتمع الكردي، لأن الكردي بقي عشرات
القرون محتفظاً بقيمه وأخلاقياته، رغم الفقر الذي كان يعانيه، وبفضل
تلك القيم والأخلاقيات بقي الإنسان الكردي- رجلاً كان وامرأة- محتفظاً
إلى حد كبير بأصالته، وبهويته وثقافته القومية، لكن عندما اقتُلع من
بيئته، وأصبح فريسة بين أنياب مدن الصفيح المرمية على أقدام المدن
الكبرى، أصبح كريشة في مهبّ الرياح العاتية، وبقي في العراء، وبلا مظلة
قيَمية منيعة، تصونه من الانحلال والانصهار. أيها الكرد، أعلم
كل هذا، وأعلم أيضاً أن النظام البعثي السوري سدّ أمامكم الطرق إلى أيّ
منصب مدني أو عسكري رفيع، باستثناء قليل من العملاء الذين باعوا أنفسهم
للشيطان بثمن بخس، وأعلم أنه تعامل معكم بنذالة ما بعدها نذالة،
واستغلكم لتحقيق أهدافه ومشاريعه الاختطافية، ألم يُظهر لكم الصداقة
حينما دخل في حرب مع تنظيم الإخوان المسلمين في ثمانينيات القرن
العشرين؟ ألم يؤسس صداقته مع ملالي إيران، ومع ملالي تركيا المتبنطلين،
على محاربة حقوقكم القومية، ومضايقتكم، والفتك بكم إرضاء لأولئك
وهؤلاء؟ ألم يقم باغتيال شبابكم المجنّدين في الجيش السوري، ويزعم
بأنهم انتحروا؟ أيها الكرد، ألم يستعمل الكردي الشيخ محمد
سعيد البوطي للتحريض ضد الأمريكان، حينما أسقطوا طاغية العراق صدام
حسين سنة 2003؟ ألم يسارع البوطي إلى الإعلان بأنه يضع نسبه (الكردي
طبعاً) تحت قدمه، غضباً على كرد العراق، وإرضاء لسادته البعثيين في
دمشق؟ ألم يستعمل الشيخ الكردي الشاب أبو قعقاع (محمود قولَغاسي)
لتجنيد وتجييش الإرهابيين دينياً، بقصد تسريبهم إلى داخل العراق، ثم
اغتالوه بدم بارد؟ ألم يستعمل النظام البعثي كردياً آخر هو المخبر
هُسام هسام في لبنان، لينقذ سادته البعثيين في دمشق من تهمة اغتيال
رفيق الحريري في لبنان؟ ألم يزعم النظام البعثي أن الذين كانوا يدوسون
على ظهور رجال قري البيضاء هم رجال البيشمرغه الكرد، وليسوا شبّيحته؟
ألم يرمِ مرة أخرى بقاذوراته في حضن الكرد، كي يبدو هو نقيّ الصفحة؟
أيها الكرد، أعلم كل هذا، لكن كل ما أخافه هو أن يستغفلكم النظام
البعثي السوري- أو يستكردكم حسب المقولة الشائعة- ويستغلكم لإنقاذ عرشه
السلطوي من السقوط بأيدي ثوار سوريا الأشاوس، وكل ما أخافه أيضاً هو أن
يُظهر لكم الصداقة مرة أخرى، ويُشغلكم ببعض المكاسب الخلّبية، ويُخرجكم
من دائرة الثورة السورية العارمة، ويحيّدكم، كي ينفرد بالثائرين، ويقضي
عليهم، ويسوّد صفحات تاريخكم، وعندئذ، وبعد أن يستتبّ له الأمر، لن
يرحمكم، وسيستكمل مشروع الصهر العنصري مرة أخرى بوحشية أقسى من السابق.
أيها الكرد- ساسة ومثقفين وجماهير- كنتم على الدوام عشاقاً للحرية
والإباء، ويشهد تاريخكم بأنكم كنتم على الدوام من أوائل الثائرين على
الطغاة، فحذار أن تقفوا مع طغاة البعث السوري بأي شكل من الأشكال،
وحذار أن تهادنوههم قولاً أو عملاً، سراً أو جهراً، فقد أثبت نصف قرن
من الزمان أن هؤلاء هم من أسوأ خلق الله، وأنهم من أكثر العنصريين
مكراً وتوحشاً، إنهم قد اختطفوا وطناً بأكمله، وأخذوا الشعب السوري كله
رهينة يساومون عليه، فهل تقبل قيمكم الوقوف مع فاشيين وسفّاحين كهؤلاء؟
أيها الكرد، أعلم أنه يوجد في صفوف المعارضة السورية التقليدية-
وخاصة الإخوان المسلمين- أصحاب ذهنيات متخلفة، لا يقلّون عن البعثيين
عنصرية، لكن حذار أن يجركم ذلك إلى مهادنة النظام البعثي المتسلط،
أعلنوا عن مبادئكم ومواقفكم بكل وضوح، قولوا كلمتك بكل صراحة وكياسة،
طالبوا بحقوقكم القومية بكل جرأة ولباقة، حاوروا من يعترض عليكم،
قدّموا لهم الحجج والأدلة التي تقنعهم، كونوا صبورين في الحوار معهم،
فهم أيضاً من ضحايا ثقافة الإقصاء العروبية التي رسّخها النظام البعثي
الفاشي منذ نصف قرن، فمنذ نصف قرن والنظام البعثي يضخّ في أسماعهم
وأبصارهم وأذهانهم وقلوبهم – صباح مساء- مختلف أشكال الشحن العنصري،
وأنتم بحاجة إلى مزيد من الجهود الثقافية والدبلوماسية لتحرير العرب
والمستعربين السوريين من رواسب تلك الثقافة. أيها الكرد
السوريون، والله ثم والله، حتى لو لم تكونوا مواطنين سوريين أصلاء، ولو
لم تكونوا من ضحايا البعث الفاشي، لكان من الواجب الإنساني أن تقفوا مع
الشعب السوري المقهور، فحذار أن تضعوا أياديكم في أيدي رجالات النظام
البعثي السوري، مختطفي الأوطان، وسرّاق إرادات الشعوب، إن أياديكم أطهر
من أن تضعوها في أيدي هؤلاء، وإن تاريخ آبائكم وأجدادكم أنقى من يسيء
إليه هؤلاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوريا: قصة وطن مختطَف...(الاخيرة)
5 - الطائفية السياسية في سوريا حقيقة أم وهم؟
يقال إن الرئيس المصري أنور السادات كان بارعاً في تضليل الآخرين، ومن
النوادر التي تروى في هذا المجال أنه كان يقول لسائقه الخاص: (اعط
إشارة يمين، وادخل يسار)، والملاحظ أن رجالات النظام البعثي السوري
يلعبون اللعبة ذاتها بخصوص المسألة الطائفية في سوريا، وعلى سبيل
المثال ظهر الشبّيح الإعلامي الكبير أحمد الحاج علي في إحدى الفضائيات،
وقال: (في سوريا طوائف؟ نعم، لكن لا توجد طائفية). وقد صدق
هذا الشبّيح وزوّر في آن واحد، صدق في قوله بأن في سوريا طوائف، وزوّر
في قوله بأنه لا توجد في سوريا طائفية. والحقيقة أن الوطن السوري مبتلى
بالطائفية السياسية من القاعدة إلى القمة، وما الكوارث التي تنصبّ على
رأس الشعب السوري منذ نصف قرن إلا بسبب الذهنيات الطائفية، وبسبب
المشاريع الطائفية، وإليكم البيان.
إن المجتمع السوري – أيها السيدات والسادة- متنوّع، بل هو مجتمع شديد
التنوّع، ودعونا نقارنه بالمجتمع المصري على سبيل المثال، فالمجتمع
المصري متجانس إثنياً، الجميع مصريون أقحاح، لكن بعضهم أسلموا، وبعضهم
ظلوا على المسيحية وهم الأقباط. أما المجتمع السوري فهو متنوّع إثنياً
ودينياً ومذهبياً:
- من الناحية الإثنية: يوجد العرب، والمستعربون الذين ضاعت أصولهم،
والكرد، والسريان، والآشوريون، والآراميون، والتركمان، والأرمن،
والجركس.
- ومن الناحية الدينية: يوجد المسلمون، والمسيحيون، واليزيديون،
واليهود. - ومن الناحية المذهبية: يوجد السنة، والشيعة
الجعفرية، والعلويون، والدروز، والإسماعيليون، والأرثوذوكس،
والكاثوليك، والبروتستانت، وطوائف مسيحية شرقية عديدة.
ولما تحررت سوريا من الاستعمار الفرنسي حاول مؤسسو الجمهورية وضع الوطن
السوري على نهج ديمقراطي متحضر، يسود فيه المجتمع المدني، وتحظى فيه كل
إثنية وطائفة بحقوق متكافئة، وكان لثقافة فرنسا الديمقراطية تأثير شديد
في هذا التوجه، فكانت تقام انتخابات، ينبثق عنها برلمان، وينبثق من
البرلمان حكومة، وكانت الحكومات مسؤولة أمام البرلمان، وفي هذا المناخ
السياسي الديمقراطي كانت أبواب المناصب العليا مفتوحة للجميع، ولا يوجد
فيتو ضد إثنية أو ضد أتباع دين أو أتباع مذهب وطائفة.
لكن المشكلة أن المجتمع السوري كان- ما يزال- واقعاً في قبضة ثقافات
الإقصاء، مثل بقية مجتمعات الشرق الأوسط، ولا يقل عمر تلك الثقافة عن
1300 سنة، أي منذ مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفّان، ثم
معركة الجمل بين علي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين، ثم معركة صِفّين
بين علي ومعاوية بن أبي سفيان، ثم احتكار الأمويين للسلطة والثقافة
والثروة بدءاً من عهد الخليفة معاوية، ثم حلول العباسيين محل الأمويين
بالقوة، ومروراً بعهود البويهيين والسلاجقة والزنكيين والأيوبيين
والمماليك، وانتهاء بالعهد العثماني، إنه إرث هائل من ثقافات الإقصاء
والذهنيات العصاباتية التي تقفز إلى سدّة السلطة، وتختطف الوطن، وتأخذ
الشعب كله رهينة. وقد لخص ابن خلدون الفكر السياسي العربي
الإسلامي بقوله : ( إن الرئاسة لا تكون إلا بالغلَب، والغلب إنما يكون
بالعصبية)، وهكذا كان شأن الذهنية العصاباتية طوال التاريخ العربي
الإسلامي، فالحصول على السلطة لم يكن قط بوسائل ديمقراطية، وإنما كان
بالغلبة، بالقوة القاهرة، بـ (السَلْبَطة) كما يقال بالعامية، وما كانت
القوة القاهرة تتوافر إلا بوجود العصبية (العصابة)، وعلى ضوء هذه
الحقيقة يمكن تفسير الانقلابات العسكرية المتتالية ضد النهج الديمقراطي
في سوريا بعيد الاستقلال (3 انقلابات في سنة 1949)، إن الإرث العصاباتي
المتراكم كان أقوى من الثقافة الديمقراطية الناشئة، وفي كل مرة كان بعض
الضباط والساسة يشكّلون (عصابة)، وينقضّون على السلطة، ويختطفون الوطن،
تارة كانت العصابة دمشقية، وتارة حموية، وتارة مزيجاً من محافظات أخرى.
وفي البداية كان معظم عناصر تلك العصابات من الطائفة السنّية، إنهم
ضاقوا ذرعاً بالمكوّنات الإثنية والدينية والمذهبية الأخرى، وأصروا على
اختطاف الوطن السوري، واحتكار السلطة والثقافة والثروة لطائفتهم،
وأحياناً لمحافظتهم، ولم يقف الشطّار من الطوائف الأخرى مكتوفي الأيدي،
وواجهوا السلبطة بالسلبطة، فشكّل العلويون والإسماعيليون والدروز عصابة
خاصة بهم تحت عباءة حزب البعث العربي الإشتراكي سنة 1963، متترّسين
ببعض (الطَّسالق) السنّة (طَسْلَق بالعامية السورية: الغبي المغفّل)،
من أمثال الحلبي أمين الحافظ، ومستظلين بالفكر القومي العروبي،
واحتكروا السلطة. ثم بدأت العصبة العلوية، بقيادة صلاح جديد وحافظ
الأسد، بافتراس شركائهم من الإسماعيليين والدروز، رويداً رويداً،
ودشّنوا مشروع عَلْونة السلطة. ثم شكّل حافظ الأسد عصابة داخل
العصابة، وأطاح بشريكه العلوي صلاح جديد وأتباعه، وأوغل في ترسيخ
الطائفية السياسية، وفي علونة النظام بدءاً بالمؤسسة العسكرية، ومروراً
بالمؤسسات الأمنية (الأمن العسكري، والأمن الداخلي، وأمن الدولة،
والأمن السياسي، والأمن الخارجي، وأمن القوى الجوية، وأمن الرئاسة)،
ومروراً أيضاً بالمؤسسات الثقافية (نسبة الموفدين على الدراسة في
الخارج معظمها من العلويين)، وانتهاء بالمؤسسات الاقتصادية (آل مخلوف
مثلاً)، وفي الوقت نفسه كان الأسد الكبير حريصاً على الدوام أن يضع في
الواجهة بعض (الطسالق) من السنة خاصة، لذرّ الرماد في العيون، منهم على
سبيل المثال وزير الدفاع مصطفى طلاس، ورؤساء مجالس الوزراء.
والخلاصة أن الوطن السوري كله صار مطوَّباً باسم الطائفة
العلوية، ولم تكن هذه الحقيقة لتخفى على عصابات الطائفة السنية، وما
كانوا ليرضوا بأن تخرج سوريا من (عُبّهم)، وتصبح في (عُبّ) الطائفة
العلوية، فحاولوا أكثر من مرة قلب المعادلة لمصلحتهم بقيادة تنظيم
الإخوان المسلمين، والعودة إلى اختطاف الوطن السوري، لكن العلويين
بقيادة بيت الأسد كانوا قد قطعوا عليهم الطرق، باحتكار قوات الجيش
والأمن، وفعلوا بهم الأفاعيل، وأقاموا لهم المذابح في حماة وغيرها في
الثمانينات من القرن الماضي، والمشكلة أن الوطن السوري كان يدفع دائماً
فاتورة صراع الذهنيات العصاباتية، والمشكلة أيضاً أنه بعد كل جولة من
الصراع السني العلوي كان مشروع العلونة يزداد قوة، ويصبح أكثر توحشاً
وانفلاتاً، وكانت ويلات الوطن السوري تصبح أكثر تراجيدية.
وما زال الوطن السوري مُعلْوَناً من الألف إلى الياء رغم أنف
الشبيح أحد الحاج علي السني الدرعاوي وأمثاله، وإن لعب هذا الشبّيح
وأمثاله بالعبارات لا يغيّر من الواقع شيئاً، فآل الأسد هم أباطرة
سوريا الفعليون، و(العصبية العلوية) وسيلتهم الأولى في استمرارية
سيطرتهم، وخروج سوريا من أيدي آل الأسد يعني ضمناً سقوط مشروع العلونة،
وصحيح أن حكماء الطائفة العلوية البعيدي النظر- وهم قلة- غير راضين
مطلقاً عن مشروع العلونة، ويدركون أنها لعبة خطيرة تجر الكوارث على
الطائفة وعلى سوريا كلها، لكن ماذا يمكن أن يفعلوا في مواجهة الأكثرية
من العوام العلويين الذين استمرؤوا السلطة والثروة، وصار من الصعب
عليهم التخلي عن المزايا التي صارت بين أيديهم، وقد لخّصت امرأة علوية
ذلك في الإعلام السوري، رداً على شعار (الشعب يريد إسقاط النظام)،
وشعار (يلاّ ارحلْ يا بشّار)، بقولها وهي تصرخ بعنف: (ما في بشّار، ما
في سوريا). وبعد هذا كيف يقال: لا طائفية في سوريا؟
|